محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

117

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وقال الحسن « 1 » ، رضي اللّه تعالى عنه : « إن قوما ألهتهم أمانيّ المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليس لهم حسنة ، يقول أحدهم : أحسن الظنّ بربي ، وهو يكذب ، لو أحسن الظنّ بربّه لأحسن العمل ، وتلا قوله عز وجل : وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ [ فصلت : 23 ] . وكان يقول ، رضي اللّه عنه : عباد اللّه اتقوا هذه الأماني ، فإنها أودية الهلكة يحلون فيها ، واللّه ما آتى اللّه عبدا بأمانيه خيرا في الدنيا ولا في الآخرة » . وكتب أبو عمير المنصوري إلى بعض إخوانه : « أما بعد ، فإنك قد أصبحت تؤمل بطول عمرك ، وتتمنى على اللّه الأماني بسوء فعلك ، وإنما تضرب حديدا باردا » . مطلب العارفين من اللّه تعالى الصدق في العبودية ، والقيام بحقوق الربوبية . مطلب العارفين من ربهم أعلى من مطالب غيرهم ، سواء كانوا عبّادا ، أو زهّادا ، أو علماء ، لأن مطلب العارفين من ربهم إنما هو الصدق في العبودية والقيام بحقوق الربوبية فقط ، من غير مراعاة حظ ، ولا بقاء مع نفس ، وكل من عداهم لم يفارقوا الحظوظ والأغراض في مطالبهم ، وقد تقدم من كلام المؤلف رحمه اللّه تعالى « خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك » . قال سيدي أبو مدين « 2 » ، رضي اللّه تعالى عنه : « شتان بين من همّته الحور والقصور ، وبين من همّته رفع الستور ودوام الحضور » : بسطك ؛ كي لا يبقيك مع القبض ، وقبضك ؛ كي لا يتركك مع البسط ، وأخرجك عنهما ، كي لا تكون لشيء دونه . القبض والبسط من الحالات التي يتلوّن بها العارفون ، وهما بمنزلة الخوف والرجاء للمريدين المبتدئين ، وسببهما الواردات التي ترد على باطن العبد وقوتهما وضعفهما بحسب قوّة الواردات وضعفها . والمقصود هاهنا ، أنهما وصفان ناقصان بالنسبة إلى ما فوقهما ، فإنهما يقتضيان

--> - ( الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ، 127 ) . ( 1 ) الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي القرشي ( 3 - 50 ه / 624 - 670 م ) سبط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وله بالمدينة المنورة ، وأمه فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان فصيحا ، أثر حقن الدماء يوم المحنة والفتنة . ( الأعلام 2 / 199 ، والرسالة القشيرية ص 304 ) . ( 2 ) أبو مدين ( توفي 594 ه - 1198 م ) شعيب بن الحسن الأندلسي التلمساني أبو مدين ، صوفي من مشاهيرهم ، أصله من الأندلس . أقام بفاس وسكن بجاية وكثر أتباعه . توفي في تلمسان . ( الأعلام 3 / 166 ، وشذرات الذهب 4 / 303 ) .